الكتابة… فسحة للراحة

بقلم / حفصة حريزي

0 121

إذا كنت من هواة الكتابة، مبتدئا مثلي، فإنه من الطبيعي والعادي أن تنهال على رأسك أكوام الأسئلة المتساقطة من كل حدب وصوب، أن يطرح الجميع استفساراتهم واستفهاماتهم عليك.. كيف، متى ولماذا تكتب؟ ما مصادر إلهامك؟ كيف توحي إليك الحياة بهذا الزخم الجميل من الأفكار الذي يتحول بين طيات أصابعك حرفا أجمل؟ هل تكتب عن معاناتك؟ عن أفراحك؟ عما لا تقدر شفاهك الصماء البوح به؟ لماذا تكتب إذن؟

سيسألونك كثيرا وسيتساءلون في قراراتهم أكثر، حتى أنك لن تسلم من سؤال نفسك.. لماذا أكتب؟.. قد تكون ذكيا بما فيه الكفاية لتجيب على أسئلة الجميع أو على الأقل لتستطيع إخراسهم، وقد لا تكون، فتستعصي عليك بعضها فتكتفي بالصمت وابتسامة صفراء تداري بها فشلك الذريع.. ولكنك في كلتا الحالتين ستبقى غامضا ومحط استفهام الكل..

ذلك لأننا نحيط كل شيء غريب عنا بالكثير من علامات الاستفهام، ونجعل بيننا وبينه جدارا من الحيطة نكتب عليه “ممنوع الاقتراب”، كأنه لغم مدفون في باطن الأرض سينجر إذا حاولنا الدنو منه فنسقط صراعا نجابه الموت، ولا ندرك ماهية أشياء كنا نتجاهل وجودها بقربنا ولا نجهلها إلا بعد أن نلمسها بجوارحنا ونخفض لها جناحنا فتتولد ألفتنا بها من اللاشيء..

الكتابة بالنسبة للبعض شيء صعب، فعل خاص له ناسه وخاصته، مجموعة نخبوية من الأشخاص لديهم ملكة يفتقر إليها غيرهم، رؤوسهم كبيرة تتسع لأكبر قدر من الأفكار، أقلامهم لا تخطئ وأوراقهم ملساء كي يتمكن الحرف من الانزلاق بسلاسة.. سوى أن الكتابة لا تنتقي أهلها بل هم من يفعلون، ولا تتطلب سوى ذهن متحمس ومريد، قلم ممتلئ بالحبر وورقة عذراء..

شخصيا بدأت قصتي مع الكتابة منذ الصغر، حينما كنت تلميذة بالصف الرابع ابتدائي حيث كان أستاذ اللغة العربية ينوه بأسلوبي في كتابة النصوص الإنشائية التي كان يكلفنا بتأليفها كل أسبوع، فكنت أحظى على أعلى تقدير بين زملائي في حصة الإنشاء.. حينها بدأت سيول الحب تتدفق إلى أساريري، فأحببت هذا الفعل الجميل القادر على جعلي سعيدة ومميزة في الوقت ذاته. أما في السنة الأولى ثانوي، كان أستاذ اللغة الفرنسية دائما ما يشجعني على كتابة أكبر عدد من النصوص، ما زالت تفاصيل تلك اللحظة تتقافز إلى ذهني حيث قال لي في إحدى الحصص: “إذا بقيت على هذا المنوال فستصبحين كاتبة مشهورة في المستقبل..” أذكر أنه غمرني لحظتها فرح وأيما فرح، فرُحت أؤلف القصص وأكتبها مهيئة نفسي بذلك كمشروع كاتبة في المستقبل كما تنبأ أستاذي..

الكتابة بالنسبة لي شيء لا يمكنني الاستغناء عنه، جرعة أدمنتها لا فرار لي من سطوتها، قد يحدث أن أنقطع عنها بعض الوقت، أن يعتريني فتور حولها لأيام لأسباب أجهلها، ولكنني لا أستعيد نفسي إلا بعد أن أخط الحرف الأول…

فالسطر الأول، فالتالي … حتى أنهي ما بجعبتي وقد ارتفعت معدلات هرمون السعادة في عروقي فغدا يجري فيها بدل الدماء من فرط السعادة.. بعد كل هذا، لماذا أكتب؟ لماذا أتكلف عناء حمل القلم والتخطيط؟ ما الجدوى إذن؟

حاولت مرات عديدة أن أجلس بين ظهراني ورقة وقلم، أستعرض دوافعي لهذا الفعل الذي يصاحبني منذ زمن والذي لا غنى لي عنه.. سوى أنني في كل مرة لا أجد سوى أنصاف الأجوبة التي لا تشفي غليل الأسئلة بل تزيد من ظمئها، فلا أدرك إلا أنني وجدت في الجرف صديقا مؤنسا، يستمع إليك في صمت حينما تكون في حاجة لمن يسمعك ويتكلم همسا حينما تكون في حاجة لمن يكلمك، تستحيل بوجوده وحدتك استئناسا، ويتحول بحضرته كل شيء قبيح لظاهرة من ظواهر الجمال.. الكتابة عنصر من عناصر وجودي، كالهواء الذي أتنفسه كل صباحات العودة للحياة، مصدر من مصادر طاقتي التي تجعلني أكثر إقبالا على الحياة، على الحب وعلى نور الشمس..

كتبت أحلامي ما ارتقى منها وصارت صفته “حقيقة”، وما زال منها بين أوراق الدفاتر وطيات المنى، كتبت ما يتخاطر على وجداني، أحاسيسي المباغتة عند الضفاف، مذكراتي اليومية، كتبت كل شيء .. كتبت واسترحت وكفى.

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...