امريكا التى لم اعرفها! قصة واقعية

رانيا / زيت حار

0 96

كانَ يوماً مشرقاً جميلاً من أيام شهر أغسطس و كان ثالث أيام عملى في أول عامٌ لى في تلك المدرسة الإبتدائية. كان كل العاملين في المدرسة من الأمريكيين و كانت تلك هى أول فترة اختلط فيها بالمجتمع الأمريكى بشكل مباشر و يومى. كنت دائما في حالة من التوتر و التوجس و الخوف مما سأرى من عادات وتقاليد و تصرفات تختلف تماماً عمّا نشأتُ و تربيتُ عليه انا في مصر.. كنتُ في طريقى لدخول المدرسة اذ بي ألمح بعينى شخص ما في الجانب الآخر من الطريق يقترب بخطوات ثابتة من باب المدرسة.. أعدت النظر مره أخرى نظراً لأنه ذا شكل مريب. اذا بي أحاول جاهدة ان احدد هويته أكان رجل او امرأه و لكنى لم استطع. فقد كان طويل القامة نحيف الجسد يرتدى ملابس رياضية و حذاء رياضي و بدون شعر تماما تقريباً.!

كان شكله او شكلها غريبٌ جداً.. قُلت في نفسي لو هذه سيدة فما يجعلها تحلق شعرها لهذا الحد فتبدو كما الرجال! انقبضت كثيرا من هذا الشخص و دخلتُ المدرسة.. توجهتُ الى الفصل الذى اعمل فيه و كانت معلمة الفصل في إنتظارى. فـ أخدنا نتحدث عن جدول اليوم الدراسي.. بعد ساعتين تقريباً من ذلك اليوم الدراسي اذا بدخول غريب لهذا الشخص المريب للفصل الذى كنت اتواجد فيه. نظرت اليه المعلمة و رحبت به. و توجهت الى انا بالكلام لتعرفنا ببعضنا البعض: هذه هى مدام هيستر متخصصة التدريب الرياضي الإسبوعى لطلبة فصلنا.. فـبادلتها التحية و رحبت هى بي و بمجرد سماعى صوتها و معرفتى لأسمها تأكدت انها سيدة. ولكن ظل شعورى نحوها كما هو التوجس و القلق و الريبة و عدم الاطمئنان.

كنت أقول في نفسي حتى لو كانت مريضة فلما لا ترتدى شعر مستعار مثلاً. مرت الأيام و صرت أراها أسبوعياً تأتى الفصل لتساعد الطلبة عندنا من ذوي الإحتياجات الخاصة على الحركة و التدريب.

و بمرور عامين كاملين بدأ شعر هذه السيدة ينمو و بدأت تبدو لى سيدة جميلة بشعر ذهبى جميل و شكل يختلف تماما عن ما رأيتها عليه فى أول وهلة. بدأ فضولى يزداد و أخذت أتسائل لماذا قررت هذه السيدة الجميلة أن تقبح من نفسها يوماً ما و خصوصاً بعد تأكدى انها لم تكن مريضة و أيضا بعد تأكدى انها سيدة طبيعية متزوجة و لها من الأبناء ثلاثة و قد ادهشتنى بكونها انسانة طيبة و عاقلة و لم يتبين لى ان المظهر الذى رأيتها عليه كان طيش أميركى أو محاولة لتغير شكلها كسراً للملل..

و قد أخذ فضولى يثيرنى و يحفزنى حتى استوقفتها يوماً ما و اختلقت معها حوار و في منتصف الحوار ابديت لها أعجابي بلون شعرها و مظهره و انتهزت الفرصة و سألتها لماذا فكرتى في إزالته تماماً في يوم ما رغم كونه بهذا الجمال؟! فردت على سؤالى قائله: نعم لقد اقتلعته من جذوره تماما من عامين عندما أصيبت اختى التى تصغرنى بسنة بمرض السرطان و بدأت علاج مكثف بالأشعة الكيمائية فإذا بها تفقد شعرها كاملاً في أيام قليلة. فبدأت اختى يومها تبكى و يملأها الحزن و الأسى على شكلها و على ما أصابها و آلم بِها.

فقررت يومها و أنا ارى دموعها أن أحلق شعرى و اقتلعه تماماً و أن أعيش مثلها بدون شعر حتى اشاركها ذلك الإحساس المؤلم و لتعلم أنها ليست وحيدة و لأعبر لها عن مدى حبي و تعاطفى معها.

كانت كلمات تلك السيدة يومها و هى تسرُد لى قصِتها مع اختها بمثابة سهام تخرج من فمها لتصيب قلبي مباشرة تصيبه لتؤنبه أنى ظننت فيها السوء يوماً وهى بهذا الكم من الرقى و القدرة الجبارة على التخلى عن حب الذات و التخلى عن شعرها وجماله بإرادتها و هو أهم ما تملك المرأة و تعتز به. تفعل ذلك من أجل مشاعر شخص آخر.. معنى قوى للإيثار اقدره تماما لانني امرأة.

تعلمت من هذا الموقف الكثير و الكثير.. تعلمت ألا أحكم على أحد مهما ظهر منه و مهما أختلف عنى. فقد يكون في هذا الشخص ما هو أفضل منى.

رانيا زيت حار

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها