إلى جنتي في الدنيا .. إلى والداي

0 70

أنا لا أَعْلَمُ جَيداً ما واجباتُ الرجل اتجاه زوجتهِ وواجباتُ المرأة تجاه زوجها ولست من هؤلاء المستشارين في العلاقات الزوجية كي أعلم ماذا عليهم أن يفعلوا ان طرقت المشاكل بيوتهم.. ولستُ بالمرأة الأعرابية التي أوصت ابنتها ذات يوم بالوصايا العشر قبل زواجها!

لكن اسمحوا لي أن أتحدث عن تجربةٍ كنت أنا شاهدةً عليها…

أنا فتاةً لأبٍ وأم اختلفن كثيراً عن هؤلاء الآباء والأمهات, فقد علّمتني أمي كثيراً أن للحياة الزوجية قدسية خاصة ان لم تتعلميها يا ابنتي فالأفضل لكِ ألا تتزوجي!

لم يكن أبي من هؤلاء الرجال الذين يكثرون من كلمات الحب والغَزل لكنه كان من هؤلاء الرجالِ الذين لامسَت مواقفهم شغاف قلبي.. لم أسمعه يخبرها أنه يُحبها لكنه كان يخاف عليها أكثر منا نحن, حُب تعجز عن وصفة الكلمات.

أبي كان من هؤلاء الرجال الذين ذكرتهم الكتب بأنه كان في مهَنة أهله .. لم أتذكر يوماً ما تلميح أمي له بأن يساعدها في إعداد الطعام .. بل كان يخبرني بأن نحضر الطعام سوياً لأنها متعبة!

وأمي لم تكن من هؤلاء النسوة اللاتي يتحدثن عن حقوق المرأة وأن العمل لابد للمرأة حتى يقيها من شر الأيام كما رددن ذلك الكثير من النسوة وأقنعن بهن بناتهن!

حينما بدأت أعمل أخبرتني أمي ذات يوم سراً بأن أبي حين تقدم طالباً يدها لم يسألها إنْ كنتِ تريدين العمل أم لا او حتى رأيه فيمن يعملن ..ترك الاختيار بيدها .. أبي لم يقبل أن يتنازل عن حلم واحد حلمَت به أمي بالرغم من عدم اقتناعه بالبعض منها وإلى الآن وبما أني شاهدة على ذاك أكاد أجزم بأنه استطاع أن يحقق تلاثة أرباع ماحلمتْ به ومازال في العمر بقية .. أبي لا زال يَذكر تِلكَ القطعة المفضلةِ لدي من نوع الشوكولا المحبب لقلبي حينما يذهب لقضاء غرض ما ويحضرها لي ثم أخبره كعادتي وذاك الدلال في عيني وأنا اعلم جَيداً مِقدار حبه لي في قلبه أني لم أعد تلك الطفلة التي تشتهي الحلوى وهو مازال يلقي على مسامعي بأني مازلت طفلتة المدللة ..

أبي يعي جَيداً بأن للذكر مثل حظ الأنثيين فقط في الميراث الشرعي لا في الحياة العامة, بل كان يؤمن أن للأنثى كحظ رجلين لولا إيمانه ويقينه بأن ذاك لغرض سامي في الشريعة الاسلامية لم يفهمها الكثير من الرجال مما جعلني اشفق على اخوتي الذكور من كثرة دلال أبي لي ولأختى.. أبي كان من هؤلاء القارئين لذاك الباب في بريد الجمعة وكان ملاذي وسكني حينما كانت تشتد حدّة الرسائل قَلِيلاً على فتاة لم يبلغ عمرها الخامسة عشرة سنة!

أمي لم تكن من هؤلاء ممن تغنت ألسنتهم باللغَةِ العربية الفصحى ولكن كانت كل ماتتمناه أن يتغنى أحدنا بتلك اللغة وحين تبدأ بسرد أبيات الشعر التي لامست قلبها كثيراً قائلة:

أبيتُ في غربة لا النفـس راضية بها , و لا الملتقى من شيعتي كثب .. فلا رفيق تسـر النفـس طلعته و لا صديق يـرى ما بي فيكتئب ..

فيرد ابي مُكملاً : و من عجائب ما لقيت من زمني أني منيـت بخطب
أمره عجب .. لم أقترف زلة تقضي عـلي بما أصبحت فيه فماذا الويل و الحرب؟

ثم يبدأ أبي بسرد مناسبة تلك القصيدة لنا وكأنهما يشكيان سوياً تلك الغربة الطويلة التي حلت بهما .. انتابني شعور بالأمان حينها تكفيني مدى العمر وأنا أراهما بجانب بعضهما سوياً كل يشد من أزر الاخر…

حينما أخبرت أمي أني أجيد صياغة سطوري قَلِيلاً فلم أجد غيرها يسمعني حتى وإن قراتها لها آلاف المرات ..

باختصار يا أمي أني أحبك وسأظل أحبك حتى وان كررتي على مسامعي كثيراً أن المنزل لن ينظف نفسه!

أما رسالتي لك ياعزيزتي… أن ترددي معي أن يحفظ الله لنا آبائنا وأمهاتنا وأن تقر الأعين بهما وأن يرحم الله منهم الأموات ولا تصدري صوتا أو ضجيجاً عند قراءة الرسالة حتى لاتوقظي ذاك الحزن في قلب كل فتاة فقدت أمها او أباها او حتى أمانها ..

لا عليكن كل هذا لا يهم .. فما أزعجني حقا أن أبي يجلس بجواري يسألني عما تكتبين ولا أستطيع اخباره أني أكتب له وعنه .. لم أستطع البوح بما كتبته له .. هو لم يقرأها حتى الٓان .. فرجائي ممن يقرأها أن أرسلوا له رسالتي

بقلم / سلوى مراد

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها