رحلة الحياة نفحات من عِبَر

0 80
في رحلتي في الحياة قابلتُ أناساً كثيرة حكمتها في الحياة قليلة وأمانيها عليلة. قابلتُ أحدهم فسألته ماذا تتمنى اليوم؟ قال: أتمني لو أعيشُ مائة عام . فتركته ومضيت حتي لقيتُ آخر فسألته ماذا تتمنى اليوم ؟ قال: أتمني لو أن لي كنوزاً من المال.
فتركته ومضيت حتي لقيتُ رجلاً عجوزاً محنيّ الظهر، فقلتُ في نفسي هذا رجلٌ قد أنهكتْهُ الحياة، فلابدَ أن رداءَ الحكمةِ يغْشاه! فسألته ماذا تتمنى اليوم؟ قال: أتمنى لو أعودُ شاباً فتياً. فسألته لماذا ؟! قال: لأتزوجُ بتلكَ الفتاةِ الجميلة. فعلمت أن الحكمة لديه قليلة.
فتركته ومضيت حتي لقيت فتيً صغيراً وحيداً. فسألته لمَ أنت هنا وحيداً؟ قال : لست وحيداً.  قلتُ: ولكني لا أري أحداًمعك!! قال: معيَ الله، وهو نورٌ أنَّى أن نراه!
قلت: سبحان الله الذي جعل الحكمة في أصغرِ الأفواه.
قال الفتى: عمَّ تبحثينَ أيتها الفتاة؟ قلت: ابحث عن حكيم يعلمني، وأظنك معلمي!
ما اسمك؟ قال: عبدالله, لا أروم رباً سواه، كيف وهو يغفر لمن عصاه، ويقبل من أتاه، ويعطي من دعاه، ولو كانت ذنوبي جبالاً فيكفي أن أقولَ يا الله.
وإذْ نحن بهذا الحوار إذ مرَّ علينا رجلٌ مارٌ فقال: أيتها الفتاة إنكِ أكبرُ منه سناً وعقلاً فكيف تطلبين الحكمة من الصِغَار؟ قلتُ: اصمتْ يا رمزَ العار، أمثالُك ما لهم إلا الصَغَار.
أخبرني عن داوود وسليمان إذْ يحكمانِ لو أن الحكمة بالأعمار . ما الحكمة إلا منحةٌ يمنحها الواهبُ للمختار .
قال الفتي : أعطاكِ اللهُ سلاحاً جبار، طلبُ العلمِ وقافيةُ الأشعارِ! ضحكَ الرجلُ المارُ وقال: سلاحٌ جبارٌ ، أظنكَ تَحْسَبُها عمر المختار، قافيةُ الأشعار أهيَ المتنبي أم بشَّار.
فلذتُ بالفرار أنا والفتي من مخالب لسان ذاك الرجل الثَرثار. حتي أتينا وادياً مليئاً بالأشجار فطلبنا من مالكِه أن نستريح قليلاً فقال بل القرار. فتعجبتُ من كرمِه ولكن تذكرتُ كرمِ الله مُنزِلَ الأمطار ومُجرِيَ الأنهار.
قلتُ : يا عَم أانت مالكُ هذا الوادي؟ قال: يا بُنَيتِي هو ملكٌ لله أعطانِيه إياه. قلت فمن يُساكِنُك هنا؟ قال: زوجتي رحمها الله، كانت بسمةٌ تضئ الحياة، ورفيقٌ عزَّ الآن لُقياه، وحبيبٌ ولو طال المدى يَصعُب سلواه. قلتُ: صبَّرك الله على قدرهِ وبلواه. هل لديكَ أولاد؟ قال يرزقني الذي رزقَ ابراهيم علي الكِبَر إسحاق وجعل له أحفاد ، وأعطي يحيى لزكريا سمياً من لدنّه نِعمَ الوهاب.
وبعد أن طَعِمنا من أطيب الثمار وشرِبنا من أعذب الأنهار أسكننا هذا الرجل في أفضل دار. فظللنا نتدارسُ فيها العلم حتي هَبَطَ علي الوادِ جماعةٌ من الأشرار. فتصدي لهم الفتى وكان يقاتلُ كَـ بطلٍ مغوارٍ.
فتعجب أولئكَ الأشرار من شجاعة هذا الفتى الذي صَال وجَال،
وقالوا : يا فتى من علمكَ هذا القتال؟! قال: علمنيَّ اللهُ القوي المتعال ، الذي أرسي الجبال وأزلَّ الجبابرة العِتال ومن في أُخرانا إليه المآل . فـ لانت قلوبهم وقالوا يا فتى علمِّنا هذا المقال، علَّ الله يرحمنا إذا تغير الحال.
فظلوا معنا حتي قررنا الإرتحال بعد أن تزوج الشيخ من امرأةٍ آيةٌ في الجمال، وأنجب منها فاطمة ويحيى ثم بلال.
وفي طريقنا قرر أولئكَ الرجال اصطحاب الفتى إلي قريتهم ليُعلِمَ الناس فقد طغى عليهم رجل كذَّاب دجَّال . قال الفتى: ولكن هذه الفتاة أخشي عليها السفر و الترحال. قلت: إذن لا مَحال، سأعود لوطني وتابِع أنتَ السير والتجوال.
فمضي الفتي معهم وعُدتُ لأوطاني في الحال . مهلاً! إياكم وأن تظنوا أن رحلتي قد انتهت ، فرحلة الحياة مازال فيها أحوال وآمال أرويها لكم إن قدرَّ الله وكان في العمر آجال.
والآن مني سلاماً وألقاكم إن شاء الله في أفضل حال.
بقلم / غادة جمال الدين
إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها