إلى اين؟ مسيرة بلا بوصلة

بقلم / لبنى العامري

0 156

كلما هَمَمَت للكتابة إلآ ودخلت في معركة الحيرة وعادةً ما أخرج منها منهزمة! لأن الأفكار التي تدور في رأسي تعادل ثِقلَ الجبال فهي تعمل على استنزاف طاقتي الفكرية، وتعتصر تحت ثِقلها عقلي وتهشمه إلى أجزاء صغيرة، وتتبخر بعدها في الهواء بفعل المعادلة البشجهلية ( البشر / الجهل ) وأخرج بعدها مُنَهكة الأطراف أجر هزيمتي النكراء، وأستلقي بكل ما أحمِلهُ من ثِقل فوق سريري أتأمل خيبات هذا الوطن الذي ما فتئ يرى نموا راقياً يليق بتاريخه العريق وحضارته الزاهية على مر العصور.

لا شك أننا لم تعد أسماعنا تتحمل ما تتداوله وسائل الإعلام من أخبار متجاوزة؛ فنسمع نهيق بعض الدخلاء على الثقافة من تغيير الحال إلى الأحسن، وربما كانوا يرغبون في العكس فهم لا يجيدون غير قذف اللائمة بكلمات لاذعة، وحملهم مسؤولية ما يقع مستثنين بذلك أنفسهم، في حين لو أتيحت لهم فرصة الكلام تجدهم يتعثرون في التعبير ويقولون كلاماً لا يفي بالمطلوب.

تُرى من بإمكانهَ تحريرَ أمُتنِا من جهلِها الذي ترزح تحتَ وطأته؟

من بإمكانه تحرير العقول من الجهل الذي استوطنها؟ حقاً أن مثل هذه التصرفات لو نظرنا إليها من منظور تقييم المستوى الفكري والثقافي للمسنا ذلك الانحدار القوي في اديولوجية الفرد التي تنم عن تخاذل كبير من شأنه أن يصل بالمجتمع إلى هاوية الجهل، والعودة به إلى عصور غابرة بعيدة كليا عن الحضارة بمفهومها المرتبط بالوعي واحترام الحريات واحترام الحقوق والواجبات.

أليس من غاية المجتمع النبيلة بناء الفرد والجماعة، ذلك البناء الذي يكون أساسه العلم والثقافة لأنهما اللبنات الأساسية لبناء مجتمع قوي يحمل على عاتقه مسؤولية حماية الأفراد والوطن، والوصول بالمجتمع إلى أعلى مراتب الرقي الإنساني ليكون في مصاف الدول المتقدمة. إن وضع شبابنا اليوم وللأسف تنطبق عليه مقولة:

أحمد مطر:” أسفي أن تخرج أجيالاً لا تفهم معنى الحرية لا تملك سيفاً ولا قلماً، لا تحمل فكراً ولا هوية…”

فـ أقلامنا للأسف غائبة، وهويتنا مطموسة، فبدل أن نتكلم نصمت، وعوض أن نبني الوطن ونصونه ونحميه من الذين يتربصون به نتحامل عليه ونتحالف ضده. فـ إلى متى ستبقى العقول تائهة في مطبات العولمة هائمة؟

كيف نطور مجتمعاتنا؟ هذا هو السؤال الذي علينا أن نضع أمامه علامة استفهام بالحجم الكبير، ونعمل جادّين من أجل إيجاد الأجوبة التي نصل بتطبيقها إلى البناء بالشكل المطلوب، وهذا لن يتأتي إلا بالعمل الدؤوب وتلاحمنا وبالعمل يد في يد من أجل فعل البناء، لا نكتفي بالنقد ورمي اللائمة على الآخر وتبادل التهم فيما بيننا.!

الوطن أمانة على عاتقنا، وعلينا نحن أبناء هذا الوطن تقع مسؤولية الحفاظ عليه. نعم لو تأملنا السؤال جيداً، وحاولنا إيجاد الأجوبة اللازمة لأمكننا بناء أمة عظيمة. لا ننتظر من الشجر أن يعطي أكله دون سقيه والعناية به.

لا بد من الغرس أولا والغرس هنا يكون في نفوس الأفراد؛ نغرس الأخلاق، نغرس حب الوطن، نغرس كيف نحافظ على الأمانة، نغرس القيم… أكيد بعد فِعل الغَرس سيُثمر أفراداً يحافظون عليه وتحميه وتبنيه البناء القوي الذي لن يتزحزح أمام عواصف الدهر.

ابدأ من البدء بمن يطالب بالتغيير، بتصحيح الاعوجاج الذي لحقكم ويعملوا على تقويمه أولا، وهذا عمل شائع منذ بداية التاريخ، قبل أن يبادر المرء بالإعلان عن فكرة تحمل في طياتها التغيير كيفما كان لا بد له من البدء بذاته أولاً وما يتمحور حولها.

غاندي يقول : ” كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم “

التغيير كيفما كان لم يأت يوماً هكذا من العبث، وإنما وجِدَ بعد تحليل عميق قاد صاحبه إلى معانقة النصر والحرية بدل الجهل والأمية. إن أي تطور سيعرفه محيطك ومجتمعك وبلدك رهين بتغيرك أنت أولاً.

فالتغيير لا يتم برفع شعارات فارغة، وأنت تحجم عن تغيير يشملك أولاً من الداخل، وتغيير يشمل تصرفاتك التي تسيء إلى هذا المجتمع ككل. ولعلها أول خطوة يلتزم الفرد أن يعطيها أكبر قدر من الاهتمام بدل الصراخ في المؤتمرات والندوات.

لكي يُكتَبَ النجاح لهذه الخطوة لا بد من حَبك خطة استراتيجية ودراستها من جميع الجوانب لتفضي في نهاية المطاف إلى النتائج المتوخاة منها. لأن أي هدف لا بد له من خطة مُحكمة وإلا باءَ بالفشل! وكما جاء على لسان

ياسر حارب: ” …المنفعة أهم من الهدف والهدف دون خطة يبقى حلما “

وأول نقطة في الخطة هي محاولة توسيع وسد فجوات الإيديولوجية الفكرية للفرد. وبما أن العقل هو المكون الأساسي في المجتمعات فإن صَلحَ صلحت، وإن تعطل أُصيب المجتمع بالشلل. بناء عليه سنعمل على بناء الفكر البناء السليم. وسد الثغرات لن يتأتى من الفراغ، ولا من قراءة قصص للدول العظمى التي تتقصد كتابتها لنا نحن الدول النامية، وإنما بالاجتهاد والنهل من أمهات الكتب التي تزخر بها مكتباتنا العربية!

لا ننسى أن النهضة الأوربية قامت بترجمة ثقافتنا الفكرية، والاقتداء بما صنعته يد العرب أيام الحضارات السالفة التي لا زال التاريخ شاهداً عليها لا بد من محاولة دراسة عميقة لتاريخ أمتنا الزاخر بالعبر والإنجازات البطولية. نعم لا شيء يأتي من العدم، ولا شيء ينزل من السماء جاهزاً؛ الوحي لم ينزل دفعة واحدة على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، بل أنزل حسب الحاجة إليه حسب الأحداث…

وحتى يتسنى للأمة وقتها فهم كل آية على حِدَه والعمل بها. وعليه فنحن لن نحيك خطة كاملة ونجمعها مع باقي الملفات، حتما سيكون مآلها فوق الرفوف، بل سنتدرج في تقسيمها ليتسنى لنا إنجازها خطوة، خطوة لأن الهدف ليس هو المشروع بقدر ما هو النتيجة المتوخاة منه. وكيف سيدخل حيز التنفيذ على المستوى الفكري والعملي وكيف سنجعل الأفراد يشاركون فيه.

إن مشروع النهوض بمستقبل أمة يبدأ بالفرد أولا. ” لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” صدق الله العظيم.

بقلم / لبنى العامري

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...