خُلِقَ الناس مختلفين … واذاً!

0 90

خلق الناس مختلفين لكن بات التنمر هو الصيحة الجديدة لمجتمعنا.. لم يعد يطلق عليه نقدًا على الإطلاق، بات لاذعًا أكثر من اللازم، بات صارخًا أكثر من اللازم، وأكثر من هذا وذاك أنه بات جارحًا للحد الذي لا يمكن أن يتحمله بشر..

لم يعد هذا مجرد رفض لمحتوى يقدمه إنسان أو طريقة ارتدائه لقطعٍ من الملابس، بل وصل الأمر حد الشكل والملامح، حد الأمور التي ليس للشخص أي حولٍ فيها ولا قوة..

المشكلة الأكبر أن من يتنمر هذا لا يكون مدركًا على الإطلاق أنه يفعل واحدًا من أبشع الأمور، لا يكون مدركًا أنه يجرح شخصًا ما ويهين آخر، يتعامل كما لو كان هذا مجرد رأي، أمرٌ لا إرادي، هو فقط رأى شيئًا لم يعجبه فأبدى اعتراضه، وهذه كارثة في حد ذاتها، ألا يلقي الشخص بالًا لكلماته أو للمكان الذي ستتجه إليه، أن يفتقر إلى حس الشعور بالآخر حتى يصل الأمر إلى حد رؤية الأمر كحقٍ من حقوقه أن ينتقد ما لا يعجب عينيه بالطريقة التي يريد..

ربما لو كان البشر أكثر رحمةً ورفقًا بمن حولهم لكان الأمر أهون، ربما لو كان المرء يمنح نفسه ولو ثانية للتفكير في كلماته قبل أن يخرجها لكان الكثير ممن تعرضوا للتنمر بيننا الآن ولم ينهوا حياتهم بأنفسهم لأن أحدهم قد اقتنع أنه ليس بهذا القدر من الجمال في عيون الآخرين..

ليس الأمر في اختلافنا فـ الله خلق الناس مختلفين واختلافنا أمرٌ طبيعي ومفروغٌ منه، كما أن ما يجعلك مختلفًا يجعلك جميلًا، بل هو في عقليات الكثيرين، في أفكارٍ ضحلة ترسخت في العقول وباتت تترجمها الأفعال، في أشياء قام البشر بوضع مقاييس للتمييز بينهم فيها، باتوا ينصبون الموازين لبعضهم البعض، متناسين أن كلًا منهم أيضًا به عيب ما، وكأن أكبر مشكلات البشر أنهم لا يرون عيوبهم، أو ربما يحاولون إخفائها بإظهار عيوب غيرهم والتقليل منه، وكأن هذا بات ما يرضي تلك النفس البشرية، أن تقلل من الآخر كي ترفع نفسك درجة في نظرك، أن ترضي غرورك وكبريائك عندما تقنع نفسك بأنك أفضل من أحدهم، أن تصبح خلافاتنا وما يؤدي إلى انتحار الكثيرين منا أن أحدًا قد أخبره في جملةٍ بسيطة مكونة من كلمتين “أنت قبيح”، قالها ورحل غير عابئ بشيء، لكن هذا الذي سمعها أو ربما قرأها لم يرحل، بل لازمته طويلًا وأرّقته كثيرًا، حتى قرر أن ينهي حياته لأنه شعر بأنه غير ملائم، ملائم لمَ؟! لمقاييس بلهاء تافهة وضعها بشرٌ آخرون، باتت الملابس ومستحضرات التجميل هي الأسمى بالنسبة إليهم وعلى أساسها تحدد قيمة الإنسان..

لربما يستيقظ المتنمرون يومًا، لربما يدركوا أن من يتنمرون بهم هم أيضًا بشر ويشعرون، ووقع الكلمات يجلدهم ألف مرة، لربما يضعون أنفسهم ولو للحظة في مكان ذلك الذي لطالما تنمروا به ويدركون أنهم أيضًا ملآى بالعيوب، لكن كلًا منا يتكيف مع عيوبه ويحاول تجميلها، منشغلًا بهمه، تاركًا أمر الخلق للخالق وتذكر ان الله خلق الناس مختلفين ..

بقلم / ميار طارق

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...