هي و المستحيل: لكل امرأة و لكل مستحيل

0 292

هي و المستحيل دراما مصرية إنتاج 1979 بطولة صفاء أبو السعود؛ محمود الحديني؛ مجدي وهبة؛ سوسن بدر و عبد المنعم إبراهيم، قصة فتحية العسال و إخراج إنعام محمد علي. المسلسل دراما اجتماعية رومانسية تعرض لنا واحدة من أهم المشاكل التي كنا نعاني منها _و ربما حتى الآن_ و هي مشكلة الأمية و كيفية التغلب عليها، تدور أحداث المسلسل حول زينب (صفاء أبو السعود) الفتاة التي كانت تعاني من الأمية التي فرضتها عليها ظروف أبيها و الذي كان يعمل بالصعيد فخاف على ابنته الخروج من البيت و الالتحاق بالتعليم و الاختلاط بالناس بالرغم من كونه أب متعلم لا جاهل!

و لم تكن الأمية هي المشكلة الوحيدة التي تعاني منها زينب بل كان ذلك الإطار الذي فرضته عليها أمها و فرضه المجتمع من قبل على كل امرأة، ذلك الإطار الذي يوهم كل امرأة أن كيانها يكتمل بالزواج أو بالأحرى هي لا تملك نصف كيان ليكتمل بذلك الزواج بل هي لا تملك كياناً من الأصل.

و بين تلك الظروف تجد زينب حلمها و خلاصها في الزواج و حينما يتقدم صلاح (محمود الحديني) لخِطبتها تظن أنه أُغرَم بها، فهي بخبرتها الضئيلة في الحياة و لأميتها لا تدرك سبباً للزواج سوى الحب، لكن الواقع غير ذلك، فصلاح المتعلم الشاب الجامعي و الذي يطمح لاستكمال دراسته في كلية العلوم ليحصل على الماجيستير ثم الدكتوراه ما هو إلا فلاح مصري أصيل مرتبط بعادات و تقاليد شرقية عفنة لم تعد كما كانت من قبل، فلم يمنعه مستواه الثقافي من التفكير في الزوجة كامرأة تخدمه و تعمل على راحته، تخدم أمه المريضة و تعطيها الدواء في مواعيده الصحيحة، تقول له حاضر و نعم، و تنتظره بعد عودته من العمل بالابتسامة ملء وجهها كالملاك، و لأن زينب جارته الجميلة المطيعة التي لا يرى طرفاً لها يجد فيها هدفه المنشود.

تتزوج زينب و يرفض الزوج المتعلم المثقف طلبها و رجائها في أن تكمل تعليمها و أن تلتحق بفصول محو الأمية، يسخر منها و يضربها و يهينها و يعيبها لجهلها و أميتها بينما هو الأعلى شأناً، فكيف له أن يواجه نظرات الناس حينما يعرفون أن زوجته لا تستطيع القراءة أو الكتابة؟!

على الصعيد الآخر يعرض لنا المسلسل نموذجاً أفضل للرجل

مثل كمال (سامح الصريطي) صديق صلاح و زميله في الدراسة و الذي يحب عايدة (سوسن بدر) ابنة خالته و التي تدرس معهم هي الآخرى بنفس الكلية فيخطبها و يتفقا على الزواج، كمال هو مثال للشريك المثالي الذي يشجع حبيبته للتعلم و لا يفرض عليها سطوته بحجة الغيرة و ما إلى ذلك، و النموذج الأفضل _برأيي_ هو عم صبري (نبيل الدسوقي) والد عايدة و هو نموذج يتناقض تماماً مع والد زينب، والد عايدة سمح لها أن تعيش قصة حبها و تُخطب لإبنة خالتها أثناء الدراسة، سمح لها باستكمال تعليمها، بمناقشة كل ما تسمعه، ساعدها أن تُكوِّن عقلية لا تقبل و لا ترضى إلا بما تراه صحيحاً، بل سمح لها بالسفر خارج مصر في بعثة دراسية لاستكمال تعليمها، فنشأت عايدة قوية ذات عقلٍ راجح متزن تستطيع الدفاع عن نفسها و عن حقوقها و إن كانت وسط الرجال! ففي الوقت الذي لا تستطيع فيه زينب أن تخرج من المنزل بمفردها _قبل الزواج أو بعد الزواج_ تسافر عايدة و تصد عنها صلاح حينما يحاول الإيقاع بها أو أن يُميل قلبها.

هكذا يعرض المسلسل كيف تؤثر نشأة المرأة في سلوكها و اختياراتها! كيف يؤثر دعم الأسرة إيجاباً في إبنتها!

عودة لزينب تظل في معاناتها أربع سنوات تحت رحمة صلاح و من أكثر المشاهد الموجعة _لي شخصياً_ يوم أن أرسل لها صلاح خطاباً من لندن بعد سفره للبعثة الدراسية، بلهفة الزوجة المحبة المشتاقة لزوجها تُهروِل لتقرأ الجواب و تطمئن على أحوال زوجها ناسيةً أنها أمية لا تستطيع القراءة، و بمجرد فتح الجواب تنخرط في بكاء مرير فتسألها أمها لمَ البكاء؟ فترد وسط دموعها: مش عارفة أقرأ الجواب.

و تدور الأحداث حيث تساعد زينب زوجها و تخدم أمه المريضة و تعمل على راحتهم معاً، و يستمر في إهاناته المتكررة لها و حرمانها من حقها في الإنجاب و بمجرد أن تفارق أمه الحياة يجد صلاح زينب بلا فائدة فينفصل عنها و يسافر مرة آخرى للندن بلا عودة، بينما تكتشف زينب أنها حامل!

ترفض زينب أن تخبر صلاح بحملها و تقرر العمل و أن تتحمل نفقات طفلها و تربيته بمفردها، بالرغم أن كل من حولها يقنعها بالعدول عن تلك الفكرة لأن صلاح من حقه كأب أن يعرف بوجود طفل له، و لأنها امرأة ضعيفة لن تتحمل تلك المشاق و تلك المسؤلية.

تتوالى الأحداث بدءاً من لحظة انطلاق زينب الحقيقية في مشوار المستحيل؛ تلك اللحظة التي بدأت فيها مًطلقة ..أُمية.. حامل.. عاطلة، إلى تلك اللحظة التي يعود فيها صلاح من لندن بعد انقطاع عشر سنوات فيجد طفله من أذكى و أشطر أطفال البلد و يجد زينب تستعد لدخول الجامعة بعد اجتيازها للثانوية العامة بنجاح في الوقت الذي تعمل فيه بأحد المصانع بمرتب مجزي.

يُعد هذا الدور من أهم الأدوار التي قامت بها صفاء أبو السعود و الذي يُعد بمثابة نموذج هام لكل امرأة و لكل إنسان يسير في طريق يعتقد أنه المستحيل، و عن أداء محمود الحديني في شخصية صلاح فهو أداء رائع للشخصية؛ قام به الحديني باتزان و هدوء و نضج فني يُحسب له، كلٌ أتقن دوره في ذلك العمل الدرامي الرائع، عبد المنعم إبراهيم و مجدي وهبة كلٌ يستحق الشكر على أداء رائع لشخصيات أروع.

مقال واحد لا يكفي لهذا المسلسل.. لقصته الفريدة.. الأداء التمثيلي المُتقن لكل العاملين به.. الإخراج الرائع و الموسيقة العذبة لجمال سلامة التي تأسرك لأعوام فنية جديرة بالذكر في الدراما المصرية.

بقلم / جيهان راضي

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...