حقاً لقد كانت حياة

0 160

ثم استيقظ من نومه باكياً فقد للحظات أحساسه بالواقع ولكن عندما وضع يده على وجه أكتشف إنه كان بالفعل يبكى لم يكن مجرد كابوس آخر…

حدّث نفسه: إيبكى الرجال يا أنت!؟

وهذا ماجعله جهش فى البكاء أكثر وأكثر يبكى كابوسه.. يبكى حسرته على نفسه! يبكى الأيام يبكى حبه الضائع ومستقبله المظلم كان يبكى وكأنه يبكى الحياة!

فلاشباك… ” عودة بالزمن ” 

شاب فى العشرينات من عمره يدخل هذا المكان للمرة الأولى لا يعلم لما آتى ولكنه كان يتابعها منذ فترة وعلم أنها تذهب لهذا المكان للأسترخاء لم يكن القرار سهلاً ولكنه قرر اليوم أن يتحدث إليها ويخبرها بمكنون قلبه يعلم أنه ليس بأمرهين أن تحب شخصاً فى السر وأنت لا تعلم نتيجة هذا الحب يوماً ولكن مشاعرك تزداد يوماً بعد يوم لم يكن مجرد أعجاب بوجه جميل ولكنه كان أعجاب بأفكار ,بكلمات ,بحديث.. عشق كلماتها التى تخرج من قلبها فتشعر أنها ترى الحياة من عينك لا يعلم هل التواصل بينهما حقيقى أم إنه مجرد تشابه أفكار؟!

يلمحها تجلس فى ذلك الركن كان رأها فى صورة لها من قبل يبدو أنها تعشق هذا المكان .. كانت غارقة فى شاشة اللاب توب تشعر عندما تنظر لها أنها معنا بجسدها فقط وكأن روحها تحلق فى مكان آخر أقترب منها بهدوء كان يريد إلا يقطع حبل أفكارها وقف وراها وحاول قراءة شيئاً مما تكتب ولكن أشعة الشمس أنعكست على الشاشة فمنعته من ذلك..

تنحنح بهدوء ولكنها لم تشعر فبادر قائلاً : مساء الخير
نظرت له كمن خرج من حلم : مساء النور ..! ونظرت له نظرات تشبيه
فبادر بمد يده : أنا مصطفى وأنتى حياة مظبوط؟
رفعت حاجبها تعجباً : معلش أنا أعرفك؟
فرد سريعاً : الحقيقة لا دى أول مرة نتقابل بس أنا متابع كل كلامك على الفيس بوك وحبيت أقولك إنى من أكتر المعجبين بيكى قصدى بكتاباتك وأحمرت وجنتيه فجاءة!
أبتسمت فى خجل : مرسى ربنا يخليك
ممكن أقعد معاكى شوية لو مش هيضايقك!

ظهرت الحيرة على عيونها ولكنها وافقت فى النهاية…
الأن…

وقف ينظر من نافذته كانت تطل على البحر لقد أختار هذا المكان بعناية رغم أنه كان غالى الثمن لكنه كان فقط يريد أن يستيقظ على هذا المنظر يشعر بأن البحر هو الصديق الوحيد الباقى له لم يمل يوماً شكواه ولم يخبره يوماً أنه مخطئ كان أن أنفعل …أنفعل البحر معه وثارت أمواجه اما إن فرح كان يجده دوماً سعيداً من أجله ولكنه الأن حزين .. حزين كما لم يحزن من قبل لم يكن يعلم يوماً إن الحب سلاح ذو حدين قادر على منحك كل أسباب التشبث بالحياة وقادر على سلبك كل سبل الحياة .. لم يمنح قلبه يوماً للحب لم يكن يعير الحب أهتمام كان يجده شئ هين لا يستحق لذا وكأنما أراد الحب تلقينه درساً لن يتمكن من نسيانه يوماً ..

فلاشباك …

لم يكن القرب منها بالصعوبة التى تخيلها كانت سلسلة جداً بسيطة رغم أفكارها التى تكبرها بأعوام ورغم جنونها الجامح أحيانا إلا أنها كانت طفلة تعشق الحياة وتعشق كل ماهو جميل لم يعتقد يوماً إنه يقع فى حب تلك الشخصية العنيدة المتناقضة حد الكمال ولكنه عشقها لم يبخل عنها يوماً بأهتمامه ,لم يبخل فى مشاعره ,لم يتبع معها أسلوب الغموض كان واضح جداً فى حبها فمنذ اللحظة الأولى لم يخفى أعجابه بها وعندما تأكد من مشاعره بعدما أقترب منها صارحها بمكنون قلبه ووجد منها القبول والترحاب…

ولكن الحياة دائماً تاتى بما لا تشتهى قلوبنا فتوجعنا فى المكان الذى اصبح نقطة ضعفنا وكأنها تتحدانا …!
فذات ليلة غاب فيها القمر وتجمعت السحب كانت أحدى ليالى ديسمبر الباردة بعدما أوصلها لبيتها جاءته رسالة نصها ” بحبك وأنت عارف كويس وعشان أنا بحبك مش هاينفع أكمل لأسباب تخصنى أنت تستاهل أحسن منى بكتير ” صعق من محتوى الرسالة حاول الأتصال بها ليفهم ماذا حدث لم تجيبه كان كالمجنون كانت سعيدة منذ دقائق معه كانت تمسك بيده وكأنها تتمسك بالحياة لم يبدو عليها أنها تشتهى الرحيل لم يتجادلوا لم تكن بينهم أى مشاكل من أى نوع .. ماذا حدث وماذا فعل كى تتركه بعدما كان يستعد للتقدم لخطبتها..؟!

حاول كثيراً البحث عنها وفهم ما حدث ولكنها أغلقت جميع الأبواب فى وجهه فلم يستطع الوصول إليها .. أنعزل وظل على حاله أيام فشهور .. وفى الشهر الثالث قرر أن الحل الوحيد هو الذهاب لبيتها ومواجهتها أمام أهلها حتى وإن لم تكن تريد العودة ولكن من حقه أن يفهم لما هجر بتلك البشاعة .. وبالفعل تحرك نحو منزلها كانت الساعة الرابعة عصراً يعلم أنها لابد أن تكون فى المنزل ,صعد وبحث عن شقتها كما وصفتها له ,دق الجرس ففتحت له الباب سيدة فى الخمسينات تقريباً من العمر فتكلم بصوت مرتعش بعدما خذلته جرأته : أنا متاسف بس هى حياة موجودة؟!

فـ أبتمست السيدة وسالته بحنان : أنت مصطفى؟!

فظهرت علامات الفرح على وجه : هى حياة حكت لحضرتك عنى
فأجابت بهزة من رأسها : أنا كنت مستنياك تيجى بس أنت أتاخرت هى أكدتلى أنك هاتيجي
لم يفهم مصطفى ماتشير إليه السيدة ولكنها دعته للدخول فدخل..!

كان منزلهم متواضع ,مريح ,هادئ لم يكن يتدخل كثيراً فى تفاصيل حياة حبيبته لكنه كان يريد كل شئ فى وقته المناسب غابت السيدة وعادت تحمل مظروف أعطته له قائلة: حياة طلبت منى أديك ده هتفهم منه كل حاجة هسيبك تقراها وهاعملك حاجة تشربها.

كانت علامات الدهشة تعلو وجهه ولكنه فتح المظروف سريعاً ” حبيبى مكنتش عارفة أن الحياة هتدينى الحب اللى كنت بحلم بيه فى أخر أيامى ومكنش عندى الجرأة الكفاية أنى أحكيلك وأجرحك فى أخر لقاء بينا كنت وصلت لأقصى درجات المرض حاولت أضغط على نفسى عشان متأخدش بالك يومها حاولت أصرحك لكن كانت عندك أحلام عينك كانت مليانة حب وحياة خفت أوجعك وجعك كان هيخلص عليا.. حبيت قبل ما أمشى أسيبلك ذكرى حلوة قلت يمكن لما أختفى تكرهنى ويبقى سهل تنسانى بس راهنت أنك تيجى تدور عليا هنا وعشان كده سيبتلك الجواب اللى طالما بتقراه دلوقتى فأنا مت من فترة .. أنا كنت مولودة بمرض نادر فى قلبى وكل الدكاترة كانت بتقول أنى لازم أموت من زمان لكن ربنا سابنى عايشة عشان أقابلك وأدوق معنى الحب وتبقى الذكرى الحقيقة فى حياتى عارفة أن يمكن جرحى دلوقتى أكبر من يوم هجرى ليك بس سامحنى مكنش ينفع أشوفك مجروح منى.. يارب تسامحنى ليا طلب عارفة أنك هتكون قده خد بالك من مامتى .. حبيبتك حياة ”
أغلق المظروف كانت الأم قد عادت ومعها فنجان قهوة نظر لها بعيون تملاءها الدموع وخرج صوته ضعيف : لماذا؟

جلست الأم وهى تبكى: هى كانت حياة شبه أسمها البيت ده كان منور بيها أنت معشتش معها قدما أنا عيشت ربنا كرمنى أنها كبرت وشوفتها بعد ما بقت عروسة كنت زى أى أم نفسى أفرح بيها بس كنت بحمد ربنا أنها جانبى كان كفاية ليا لحد ما دخلت أنت حياتها كل حاجة بقت أحلى وفى يوم روحنا للدكتور كنا بنطمن فى نفس اليوم اللى قابلتك فيه بليل يومها عرفنا أن أيامها معدودة وأننا لازم نستعد كان همها كله أنت مكنش فارق معاها أنها هاتموت قد ماكان فارق معها وجعك حاولت أخليها تحكيلك عشان تستعد رفضت ونزلت قابلتك ومرضتش تحسسك بأى حاجة وبعد شهر فى معاناة مع المرض ربنا خد أمانته

كانت الأم تحكى والدموع تغطى وجهها كان يسمع والدموع تفلت من عيناها لم يعى بنفسه ترك الأم وحيدة وجرى.. أخذ يجرى كالمجنون كمن رائ شبح ,كمن فلت من الموت ,جرى كما لم يجرى فى حياته حتى وصل للبحر وأنهمرت دموعه أضعاف كان هواء ديسمبر يضرب وجهه بقوة ولكنه لم يبالى لقد أخذت حياة ماتبقى من حياته ورحلت …
الأن …

اليوم وقد مر سنة على فراقها لازل يبكى غيابها كذلك اليوم المشئوم لازل يراها فى أحلامه لازل يتنفس رائحتها لقد عمل بوصيتها وأخذ يذهب لولدتها أسبوعياً حتى يخفف عنها وحدتها وغياب حياة ولكن حالها لم يختلف كثيراً عنه! لم يعتقد أن يتذوق السعادة والجرح فى آن واحد لم يعتقد أن يقع فى الحب يوماً وأن يتركه الحب وحيداً فى منتصف الطريق…

بقلم / منة الله جابر

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...