عن الأشياء التي تملها كثيراً ..

0 267

ذاك الوطن الذي تمله أوتغضب عليه .. لكنه إن أُخذ منك تجزع جزعاً عظيماً

 

” قالولي بتحب مصر ؟ قلت : مش عارف “.. بتلك الكلمات بدأ الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي حديثُه عن مِصر حين سُئل عنها ..

ثم أضاف قائلاً : بأنه ذَاك الوطن الذي تَملّه أو تغضب عليه لكنّه إن أُخذَ منك تجزعُ جَزعاً عظيماً ..

عن تِلكَ الأوطان التي نَمل منها ونتمنى أحياناً مُغادرتها ولا نعلمُ أنّها ملاذنا الوَحيد ..

عن أماكنِ العمل التي شَكينا مراراً وتكراراً فيها ولكننا نعلمُ جَيداً مقدارَ الجُهد المبذول في الحصولِ عليها ..

عن الأصدقاء الذين تحملونا كثيرا ولم نعلم قيمة الصداقة الا بغيابهم ..

عن الجسد السليم والصحة والتي تتباهى بها ولا تلحظ قيمتها  إلا حينَ يعتريك الألم ..

عن الجمال .. عن المال .. عن العائلة .. عن راحةِ البال وصفاءِ الذهن  وعن الأشياء التي كادت أن تفقد معناها لأننا اعتدنا وجودها بجَانبنا أتحدث  ..

فقط تحدث ولو قَلِيلاً لهؤلاء الذين فقدوا أوطانهم واستمع جَيداً لتلك الذكريات المؤلمة والتي لم تأخذها أنتَ في عين الإعتبار ، ولربما قد تستحي من ذكر تفاصيل تحن إليها حتى لا ينعتك أحدهم بأنك مُرهف الحِس ..

حينَ يُحدثك أحدهم عن رائحةِ الخُبز في وطنه وأنه قد فقدَ شهيته حينَ فقدَ وطنه أو ربما عن طلقاتِ الرصاص التي أرقته كثيرا .. أو ربما عن الشوارع والبيوت التي اشتاق الجلوس بجانبها..

لن أنسى ماأخبرتني به إحداهن  ذات مرة وأنا أتحدث لها عن حُزنٍ ما بقلبي بألا أُبالغ في أحزاني كثيراً فمهما عظُم حُزني لا يَصح مُقارنتهُ بحزنِ فَلسطيني ، سُوري كان أم يمني ، فهؤلاءِ قد خَسروا أوطانَهم وعائلاتهم وأحبائهم وأشغالهم .. وحتى وإن سَنحت لَكَ الفرصة بأن تجلس بجوارِ هؤلاءِ الذين لم يتخَلّوا عن أوطانهم وقتَ الفاجعة وتسأل أحدهم  : ألم يحن وقتَ الرَحيلِ  بعد ؟ سيخبركَ بِكل ثقة وربما تَراه يُردد بكل ثقة :

بلدي وان جارت علي عزيزةً  .. بلدي وإن ضنت علي كرام ..  بلدي وإن هانت علي عزيزةً .. ولو أنني أعرى بها وأجوعُ ..

ولكننا جميعاً لن نبدأ بإدراك النعمة إلا حين يَلوح لك بالأفق بوادر خسارتها ..فاحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على تلك الأشياء التي تملها أو تغضَب عليها ولا تكن كالذي يأكل السمكة ويشكو من حسكها فقد سمع الله لمن حَمده ..

بقلم / سلوى مراد

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...