الأَرْوَاحُ لَا يَنْقَطِعُ وِصْلُهَا

0 205

غادرتني فراشاتي الملونات لمدة لا أذكرها ليفسحن الطريق لملاكي الذهبي ، طل عليّ كريم بابتسامته لي وحدي لازلت أذكرها حتى الآن ،لم تختلف ابتسامته عن تلك التى رأيتها لأول مرة من خلال التصوير رباعي الأبعاد، والذي بفضل التكنولوجيا يسمح للآباء بالتعرف على الملامح الآولى للجنين ،وهي التي حرمتنا أيضا من المفاجأة وتخمين نوع الطفل.

منذ علمت بحملىّ كنتٌ أنتظر بنتاً حتى باغتني التصوير الثلاثي الأبعاد في عيادة طبيبي مبشراً أيانا: يلا جهزوا موتسيكل جديد، مبروك ولد يا حلوين ده اللي هيخلص القديم والجديد ”
تبادلنا النظرات ضاحكين وهناك صوت بداخلي: كله هيبقى تمام..

“الولادة فعل فردي ،بغض النظر عن الأطباء والمساعدين ودعم الزوج والمحاليل والمسكنات ،أنت وحدك عليك أن تلدي وأن تتحرري ممَا بداخلك لأن الألم أصبح لا يحتمل لأن حياة المولود أصبحت مرهونة بالانفصال عنك، ولأن وجودك أصبح موقوفاً على هذا الانفصال” كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها”، إيمان مرسال ٢٠١٧

بره الصُّنْدُوقِ

مكثتُ في المستشفى ثلاثة أيام رأيتُ فيها كريم تقريباً أربع أو خمس مرات، نجحت خمس جرعات مورفين في تسكين الألم ولو مؤقتاً، لم أقوى على إرضاع صغيري ، عصاني جسدي فقد كانت آلامى مبرحة -ومبالغ فيها – حسب تعبير أحد الحيزبونات التي جاءت لأداء واجب الزيارة، سمعتها وأنا أصرخ ” تعبانة يا ماما” – أرى الدموع في عيني أمي – بينما يأتيني صوتها في الخلفية: ” أنتِ غريبة جداً مالك تعبانة كده ،عايزة تبقي أم بالساهل! ”

يتحول نظري إليها شذرا استعداداً لقصف جبهة أقل آثاره على الاطلاق هي القطيعة، رأيت في عينيها استخفافاً لا أقبله وأنا في حالتي الطبيعية فكيف الحال وأنا ممزقة من الوجع.

لا أفهم استساغة الألم من باب الاعتياد “- كل الامهات كده ،كلنا تعبنا -عادى.”

أنا إمراة تكره العادي ،أمقت الاستكانة له ، لازلت أذكر لحظة رؤيتي لكريم أول مرة، كنت ما زلت تحت تأثير المسكنات، رددتُ بصوت مسموع -قابله من بالغرفة بالاستهجان: “أنت جيت تبوظ لي حياتي”.

أنا لست مشغولة بالتماهي مع أيقونة الأم المضحية ،الأم المتحققة هي الأنسب لتكويني النفسي والشخصي ، لا تعنيني صورتي الذهنية اطلاقا لمن حولي ، أعرف أن الولادة هي العتبة الأولي في رحلة طويلة فهي ولادة لكلانا -أنا وطفلي- ولما لا فهي ولادة حقيقية لنفسي التي لم أعرفها ،يخرج واحدنا من جوف الآخر ، بداية لرحلة وتجربة ذاتية مع كائن طفيلي جزء مني ولكنه في الحقيقة غريب عني ،طالما نظرت إليه مرددة: مين ده.

قَلِيلٌ مِنْ الأَنَانِيَّةِ… ضَرُورِيٌّ

غادرت المستشفى مستندة كتف زوجي – كعادتي من يوم عرفته – يوم مشمس وحار ، تولت أمي مهمة حمل طفلي ،أسير منحنية الظهر تخونني قوتي ولا تقوى قدمي على حملي ،منذ تحركت السيارة وفجأة وبلا مقدمات أصبح الطريق كله مطبات منذ خروجنا من المستشفى في مصر الجديدة مرورا ً بطريق السويس ،مطب تلو الآخر، في كل مرة يعلو صوتي بالصراخ، أشعر وكأن جرحي يتجدد مرات ومرات.
“كله هيكون تمام ” صوت يأتي من مكان عميق ومظلم مطمئنة نفسي.

هناك موروث ثقافي لفكرة الأمومة في مجتمعاتنا الشرقية، توصيف خاص بنا له سمات محددة ، كنت أعرف أنني لن أخترع العجلة من جديد ولكنها حقيقة تجربة ذاتية اختبار مستمر لشخصي وعلاقتي بنفسي ومشاعري ومدي استجابتى لتغيير نمط حياتي التي أعتدتها ، ولكن الأصعب وهو إدارة علاقتي بجزء مني كان ضروري انفصاله عني لا التماهي معي ،”فالبقاء ليس للأصلح فقط بل للأكثر أنانية لا توجد تضحية بلا هدف” حسب ريتشارد دوكنز في كتابه “الجين الأناني”.

صانعة المدينة

“قد يبدو للمرأة أن من حقوقها الأولى أن تشقى وتعمل كعاملة أو صانعة في أحد مصانع المدينة ،إلا أن هذا يعتبر انتقاصاً من حقها الأعظم ،باعتبارها صانعة المدينة برمَّتها ٠فالطفل الذي تحمل به وتلده وترضعه -سواء كان ذكراً أو أنثى- يُحتسب الأساس الأول والأهم الذي تٌبنى عليه المدينة كلها ” المرأة -حقوقها وواجباتها” للأب متى المسكين ١٩٨٢

” كيف تكونين أماً مثالية” … “اصنع لعبتك”… “موسوعة الأم والطفل” … “قواعد التربية ” … كلها عناوين لكتب التهمتُ الكثير منها طوال فترة حملي لأضمن أن كل شئ سيكون على ما يرام، سيستيقظ طفلي بمواعيد وينام بمواعيد ، هناك روتين للنوم.

شغفت بالنمط الأوربى في التعامل مع حديثي الولادة ، محدثة نفسي: “هحكيلك حكايات كتيرة ، هنروح النادي سوا”.

كنت قد منيت نفسي بقراءة الكثير من الكتب والاستماع للموسيقى خلال الشهور الأولى لطفلي، بعدها أعود لعملي وشغفي دون الإخلال بواجباتي الجديدة.. لكن الطريق بدأ بالمطبات و كلها كانت أضغاث أحلام.

بقلم / هايدي جبران

من كتاباتي : في حضرة الجوزائي…صباح ومسا

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...