فـ لنترك أثراً بعد الرحيل

0 711
الأثر هو كل ما تتركه خلفك عند الرحيل سواء كان هذا أثر أقدامك وخطواتك، عبير عطرك الذي يملأ المكان ، أوراقك المتناثرة هنا وهناك، فنجان قهوتك الذي وضعته على الطاولة بعد إحتسائه.. ليس هذا فحسب بل كلماتك وأفعالك قد يكون لها عظيم الأثر في نفوس الأخرين حين تغادر.

فـ نحن بعد أن نمضي عمراً سائرين بين طرقات الدهر وممراته، نلهو ونلعب، نزرع ونحصد، يأتي اليوم الذي نرحل فيه ويبقى الأثر.

فكلاً منا يحدث أثراً في نفسه، فهو يعتني بها ويدللها، يقدرها ويثقفها، يحسن تربيتها ويروضها، يغرس بداخلها الترفع ويروي فيها التسامح والعطاء والإيجابية.

فالنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

و كذلك نترك أثراً فيمن حولنا، فقد يجمعنا القدر بأشخاص نلتقي بهم فى حياتنا مرة واحدة فيزهر بهذا اللقاء داخلنا حدائق ذات بهجة، فعلاً أتوا أو إبتسامة، كلمة طيبة أو نظرة إمتنان، فكان مرورهم في حياتنا كالفراشة، كالرياح التي تنقل لنا شذى الزهر.

فشتان بين من مر بالحياة كضيفً خفيفاً ينثر السعادة والتفاؤل والتسامح والحب، فيسير بين الناس جابراً للخواطر، وبين من يقتل الأمل بداخلنا فتذبل ملامحنا، وتملأ سماء حياتنا بالغيوم، نسى هو أو تناسى أن الكلمة الطيبة صدقة، وأنها تطرق أبواب القلوب فيؤذن لها فوراً بالدخول.

ومجتمعنا هو عالمنا الكبير الذي نحيا فيه، نؤثر فيه ونتأثر به، فإذا نجحنا في تحقيق التكيف السليم داخل المجتمع تحققت السعادة والسلام الداخلي.

فطوبى لمن ترك جميل الأثر في مجتمعه…

فيقال: لقد مر من هنا قبل أن يرحل.
ويقول آخرين: لا هو لم يرحل بعد!!

هذا وقد ضرب الأنبياء أروع الأمثلة في ذلك، آدم عليه السلام، موسى و عيسىي ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كانوا لنا أسوة حسنة، فقد ملؤا الكون بالإيجابية والعطاء والتكافل والحب، ثم رحلوا تاركين خلفهم عظيم الأثر.

والسؤال هنا، كيف نستطيع نحن أن نضع بصمتنا و نترك أثراً لما بعد الرحيل؟

والإجابة هي : أنك عندما تقرر أن تكون إيجابياً بهذه الدرجة تجد أمامك العديد من المجالات المتاحة والتى يمكن المشاركة من خلالها، فتصبح صورة حيه وقدوة ومثال يحتذى به في مظهرك وسلوكياتك، فيسير غيرك على نهجك وأثرك، ويشار إليك بالبنان، ويقال هذا هو المسلم الحقيقي، إن كنت مسلماً، أوهذا هو المسيحي الحقيقي، إن كنت مسيحياً، وهذا يسمى ” الأثر الديني ” الذي قدمته في خدمة دينك، فنحن بالرغم من إختلاف عقيدتنا، يحترم كل منا الآخر، ونتطلع معاً إلى تقدم الوطن ورقيه، فالدين لله والوطن للجميع.

كما نستطيع كذلك كأفراد أن نلعب دوراً مؤثراً في مجتمعنا ، فنكون كالغيث أينما حللنا نفعنا ، فلك أن تتوقع، كم من مسن في مجتمعاتنا يحتاج إلى دار للرعاية؟! كم من أُمّي أقصى طموحاتهِ أن يوقع بإسمه في ذيل ورقة يدعها إحدى المؤسسات الحكومية بدلاً من أن يبصم بإصبعة! كم من يتامى، طلاب، أرامل ومطلقات، ومعاقين، كل هؤلاء في أمس الحاجة إلى من يمد لهم يد العون؟! كما أن هناك بعض المتعثرين في السداد، قد قسمت الديون ظهورهم وأرهقهم الفقر والإحتياج، تمنعهم كرامتهم وعزة أنفسهم أن يمدوا أيديهم للناس، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، هذه الفئات وغيرها تقوم صناديق الرعاية الإجتماعية، والجمعيات الخيرية بمساعدتهم في حل تلك المشكلات.

ونحن كأفراد نستطيع أن نساهم ونشارك في نهوض تلك الجمعيات، وهذا النوع من المساهمات نستطيع أن نطلق عليه ” الأثر الإجتماعي”.

ومِمّا لاشك فيه أنه كلما زادت ضغوطات الحياة ومتطلباتها على الفرد، تولدت لديه حالة من القلق و عدم الإتزان الداخلي، فيفقد الفرد الشعور بالأمان، ويشعر بالخوف من الفقر، من المرض والجوع، يخشى المستقبل، فكيف له أن يؤمن إحتياج أفراد أسرته من مأكل وملبس وتعليم، فيظل يتقلب في فراشة حتى الصباح متسائلاً كيف لي أن أفعلها؟

فإذا أردنا أن نكون له عوناً، فهناك سبل نستطيع من خلالها تحسين دخل الفرد، منها إنشاء وتمويل مشاريع مناسبة، والمساهمة في توفير فرص عمل تفي بطموحات الأفراد ورغباتهم الآنية والمستقبلية، فبذلك تكون قد تركت أثراً في حياته كالسحاب….ظل في الصيف،،مطر في الشتاء.
وهذا يمكن أن نعتبره “الأثر الإقتصادي”

بإمكاني كذلك أن أكون إيجابياً صاحب ذكرى طيبة، ودوراً بارزاً إذا كنت مثلاً ممثل شعبي مخلص في إحدى المجالس التشريعية أو التنفيذية، ساعياً إلى حماية حقوق الناس، ودفع الظلم عن المظلومين، والمساهمة فى توفير الأمن والأمان لهم، واقفاً بقوة وشموخ كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. وهذا هو ” الأثر السياسي ”

كل هذا وأكثر تستطيع أن تترك من خلاله أثراً وتضع بصماتك في كل مكان، على الجدران، بين الصفوف، وسط الزحام، في القلوب والعيون والوجدان.

فربما يقال عنك يوماً: قد كان وطناً لجأ إليه شعباً يحتمي به، قد كان حضناً ضم حبيباً ليهدأ من روعه، قد كان دمعاً أراح عيناً وقلباً كان يتألم، إذاً فعليك أن تترك أثراً لما بعد الرحيل.

قال “مصطفى صادق الرافعي ” إذا لم تزد شيئاً على هذه الحياة، كنت أنت زائداً عليها”
وقيل:
“قد مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات”

وأما عني، فأخشى كثيراً من ترك الأثر، وأتمنى بهذه الكلمات أن يقال: كانت يوماً طيفاً خفيفاً قد مر من هنا.

 

بقلم الكاتبة / كريمة إبراهيم

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...