لعمرك أمي انت الدليل

0 305

لعمرك أمي انت الدليل … في الغالب تستطيع أن تعبر عما بداخلك بكلمات تعادل شعورك أو ما يختلج صدرك، وربما يأتي تعبيرك أكثر عمقاً مما تشعر به، فقد تتحدث في موضوع ما بعبارات رنانة وبراقة، ولكن بداخلك ربما لا تستشعر نفس المعنى الذي تترجمة تلك المفردات، وهذه المرة وفي هذا الموضوع تحديداً، مهما كانت التعبيرات فما هي سوى غيض من فيض، فحديثنا اليوم عن الأم، فأمهاتنا هن بهجة النفس، أنس الحاضر، هن سند الماضي وأمان الآتي، فلسنا في حاجة أن نتحدث عن كونها حملتنا بين أحشائها وهناً على وهن، أرضعتنا وأطعمتنا وسقتنا، وسهرت الليالي تطبب وتداوي… هى المربي والصديق، أتذكر جيداً حديث أبي عند وفاة جدتي ذات السبعين عاماً، حينها قال :كم أشعر باليتم والوحدة اليوم.

“لَعَمْرُكِ أميَ أنتِ الدّليلُ “

كان هذا هو شعور ذلك الرجل الناضج بما يكفي، الذي أنجب ثمانية من الأبناء ذكوراً وإناثاً، ها هو يشعر باليتم عند فقد أمه، ذلك الحصن الحصين الذي اختبأ خلفه من سهام الأيام وغدر البشر.
ولكن أحياناً وسط زحام الحياة وإيقاعها السريع المتلاحق لا تجد فرصة سانحة لتقف أمام أمك، تنظر إليها ممسكاً بيدها تقبلها قائلاً: أحبك كثيراً يا أمي.

ولكن عليك ألا تستسلم لشواغلك…عليك إخبارها بحبك، فربما هي تحتاج إلى ذلك اليوم وليس غداً، عليك أن تخبرها. ليس عليك الصراخ والمزاحمة…فقط عليك التعبير بأى لغة تجيدها، فربما تكون أقلهم حديثاً… وأكثرهم صدقاً.

حيث أن لكل منا شخصيته التي تميزه، فربما أنا أقبلها ونشاهد معاً إحدى حلقات مسلسل تركي مدبلج، بينما على الطاولة بعض المقرمشات. وقد تفضل أنت الوقوف معها في المطبخ تتجاذبا أطراف الحديث، عن أين ذهبت؟ وماذا فعلت؟ ومن هي فتاة أحلامك؟ فهذه الوقفة قد يقال فيها كل شيء، بينما يفضل ثالث أن يذهبا سوياً في نزهة، المهم أن تشعر باهتمامك، تشعر أن لها الأولوية ، أنها ملكة على عرش قلبك.

_ ولكن للأسف من الشائع أن بر الوالدين والإهتمام بهما يتعارض مع الإهتمام بالزوجة والأبناء فأحد الأبناء يقول: “تربية الأولاد ومسؤلياتهم تأخذ كل وقتي ولذا أقصر في زيارة والدي والإعتناء بهما”، ويتعلل ٱخر أن “ليس لدي وقت لزيارة والدي فيومي مليء بالاجتماعات والمقابلات المتعلقة بالعمل.” ويقول ثالث: “أمي سيدة كبيرة في السن، تتعصب لأتفه الأسباب وتوبخني ليل نهار ولا أستطيع تحمل ذلك”، وبرأيي أن هذا يعد عبثاً فكونك باراً بوالديك هو بمثابة المشكاة التي تنير طريقك ،فرب دعوة من والديك تمثل جداراً عازلاً بينك وبين مايؤذيك، ودعوة أخرى تيسر لك كل عسير.

_ وقد جاءت الرسالات السماوية جميعها تؤكد على بر الوالدين،

قال سبحانه ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا *وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  ﴾

فجعل الله تبارك وتعالى حق الوالدين مع حقه ، ومعلوم أن حقه هو أعظم الفرائض وهو التوحيد ، فدل ذلك على أن بر الوالدين من أهم الفرائض. بل أنظر وتمتع كيف خص الله ذكر مرحلة الكبر حيث يحتاج الوالدان إلى الرعاية والإهتمام لعدم قدرتهما على القيام ببعض الأمور.

وقال تعالى : {أنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } فقد جعل الله تعالى شكر الوالدين مع شكره، فما أروع ذلك التقدير والتبجيل.

-وجاء في الكتاب المقدس :

“اكرم اباك بكل قلبك ولا تنس مخاض امك. اذكر انك بهما كونت فماذا تجزيهما مكافاة عما جعلا لك”
وجاء أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ” فما أسمى هذه الوصايا !

_وذلك ليس ببدعة فقد حظيت الأم عند قدماء المصريين بكل التقدير، وقد بدا ذلك جلياً في النقوش المرسومة على جدران المعابد والأثار الفرعونية، فقد اهتم قدماء المصريين بتجسيد صور الأب والأم وأطفالهم الصغار تحت أقدامهم، لتجسيد أهمية دورالأسرة في المجتمع ومدى قدسيتها، ومن أجمل هذه الأمثلة التى عبرت عن تقدير المصريين القدماء للأم ودورها فى الحياة ما جاء فى بردية «آنى» على لسان الحكيم المصرى القديم «آنى» ينصح ابنه بقوله «أطع أمك واحترمها، فإن الإله هو الذى أعطاها لك، لقد حملتك فى بطنها حملا ثقيلا ناءت بعبئه وحدها، دون مساعدة وعندما ولدت قامت على خدمتك أم رقيقة لك، ثم أرضعتك ثلاث سنوات، وأرسلتك إلى المدرسة كى تتعلم الكتابة، وفى كل يوم كانت تنتظرك بالخبز والجعة فى بيتها، فإن أنت شببت وتزوجت واستقررت فى دارك. فتذكر أمك التى ولدتك.. لا تدعها تلومك وترفع كفها إلى الإله فيسمع شكواها ” فكم هو كبير وخطير أن ترفع الأم يدها إلى السماء وتشكوا ولدها إلى الله.

_ومن هنا فالواجب على الأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا ، أن يبروا والديهم أحياءًا كانا أو أمواتًا ، فبرهم أحياء بالكلام الطيب…بالسمع والطاعة في المعروف، والقيام بحقهم…إلى غير هذا مما يجب لهم في الحياة من النفقة إن كانوا محاويج، وكف الأذى وعدم السب والشتم، وعدم الإساءة.

هذا في حال ما إذا كان والداك على قيد الحياة، فماذا عنهما وقد رحلا ولم يبقى منهما سوى الذكرى؟
ماذا وقد ماتت من كنت تكرم لأجلها؟
هل بقي لديك ما تقدمه؟
_بلى نستطيع البر بوالدينا بعد موتهما  وذلك بالكلام الطيب عنهما .. بالدعاء.. بالصدقة .. بصلة رحمهما ، وغيرها من الأمور.

وممّا ذُكر صريحاً عن نبينا محمد -صلى اللّه عليه وسلم- من أعمال البرّ التي لا تزال تزيد من حسنات الإنسان بعد وفاته ” ولدٌ صالحٌ يدعو له”، ففي ذلك تنبيهٌ على عظيم فضل الدعاء للوالدين بعد وفاتهما.

_ ومن هنا فعلينا أن نتسابق في بر والدينا، الأحياء منهم والأموات، ففيه منجاة من مصائب الدنيا، وسعة في الرزق، وبركة في العمر، بل هو سبب في تفريج الكروب  وذهاب الهم والحزن.

أذكر نفسي وإياكم، لعلنا يُبْسَطَ لَنا فِي رِزْقِنا وَيُنْسَأَ لَناُ فِي أَثَرِنا، ونسعد ببر أبنائنا، نرعاهم صغاراً… فيأخذوننا معهم في دعاءهم كباراً.

لعمرك أمي انت الدليل …

بقلم #كريمة إبراهيم

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
تعليقات
جاري التحميل...