رواية (حَسَنْ)

0 110

كنتُ هناك في ذلك الوقت، كان كل شئ يزداد ، كنتُ أشعر بثقل قلبي وازدياد الأمور سوءاً ، كنت أشاهد الاشياء بدون وعي أبداً ، لكن لم يكن يتوجب علي سوي الأنتظار، أنتظر ماذا؟! لا أعرف..ولكن اظن ان علي الزمان أن يُريني أيهم كان علي الصواب…

بكل هدوء فتحت الباب ودخلت ، تشبه كثيراً أحد المشاهير لكنها لا تهتم أبداً بكيف تبدوا ، خصلاتها السوداء التي تغطيها بإشارب ملون ، تجاعيد وجهها التي تُظهر كم عانت ، وقُصر قامتها الذي يظهر كم هي سمينه وبرغم كل ذلك تبدوا جميله ، يجعلك تسأل في هدوء ماذا فعلت لتُترك، انها جارتي العجوز في الغرفة المجاوره ،هي من ربتني بعد ممات والداي…

نظرت إلي وقالت : انا في حاجة إلي المال ..

نظرت لها نظره متفحصه وقلتً لماذا أينقصُكِ شئ؟!

_كلا فقط انا في حاجة إلي المال!

_كم تحتاجين؟!

علي إستحياء شديد وبخوفٍ بالغ قالت : علي الأقل مائتي ألف جنيه ..

ضحك ، ضحكتُ كثيراً ، صمت لبرهه ثم عاودت الضحك وقال انظري هل أبدوا لكِ كشخصٍ يمتلك كل تلك الأموال إنها ثروه لم أحلم يوماً بإمتلاكها ثم نظر حوله وهو يضحك ينظر إلي تلك الغرفه التي يقبعُ فيها منذ سنوات عديده ، غرفه تليق بكونه يعمل في أحد الحدائق كعامل للنظافه هزيل ، تليق بمن حُرم من تعليمه غصباً ، علي اليمين سريره الذي يتحمله بأعجوبة وجواره كرسي متهالك يجلس عليه عندما يعود بعد يومٍ شاق ، آخر الغرفه يوجد مايقال عنه مطبخ ، إنه بوتاجاز وأنبوبة غاز وبعض الأطباق وحوض ماء ،ولا يحتاج إلي خلاء ليقضي حاجته فهناك حمام مشترك بين الجميع في هذه البناية المتهالكة ، نظر لها وقال بأسي أتظنين اني امتلك شيء؟! لو كنت امتلك ما رضيت لي تلك العيشة أبدا ولكن إمرأه مثلك لماذا تريد كل تلك الأموال!

نظرت إلي بهدوء مصطنع إنها تشعر بتوتر شديد ،تفرك يدها اليمين في اليد اليسري ، تحرك قدميها بخوف ، اغمضت عينيها فكررت سؤالي ظناً مني أنه لم تسمعه ..

_لماذل تريدين كل تلك الأموال

_أعطني ما يمكنك إعطائي إياه وصدقني سأكون مدينه لك بحياتي وبالمال أيضاً

_لكنني لا أملك أي مال ، إن تفقدتي مِحفظتي قد لا تجدي إلا بعض الرمال التي دخلت عن طريق الخطأ، زهره أخذتها من الحديقه وأحببت الأحتفاظ بها وبعض الجنيهات التي سأشتري بها في المساء جُبن ورغيف عيش ، انا حقاً أتمني لو اني امتلك المال ولكن …

اومأت بصمت شديد وتركتني وسارت خارجاً تجر قدم فتلحقها الأخري ، أكاد أسمع صوت الحاجه يئن في داخلها ، لو أني امتلك المال ما بخلت ولكن ماعساي أفعل ..

كرر جملته الأخيرة وهو يعد الجنيهات ، أنه جنيه ، يليه جنيه آخر ، هل يكفي أن يشتري بجنيهان الجبن؟! ، يمتلك أيضا جنيهاً ثالثاً لشِراء رغفين خبز ..

ينظر إلي نقوده بحسره  علي حاله ويقول “آهٍ لو كنتُ غني!” ثم يعدل الجمله فيقول “آهٍ لو كنتُ فقيراً بلا شرف “…

رفع رأسه عالياً وكأنه عيناه تناجي رب السماء ليخرجه من هذا الضيق ولكن حتي رفع العين في تلك الغرفة يصيب بالضيق!

استيقظ في الصباح الباكر كعادته جلس دقيقه ليتزن وهو يفكر أين وضع سترته أمس ، شخص مثله لا يهمه كيف يبدوا في الصباح أبداً ، ينظر إلي وجهه في المرآة المتسخه أمامه يعدل خصلاته بيده ، ينظر إلي عينيه المنتفختين ولحيته الغير مُهندمه ،وثيابه الباليه، ينظر إلي نفسه برضا شديد بل بزهو اكبر، إنه وسيم، شديد الوسامة، ولكن وسامته تلك هل تنقذه من وحل الحياه؟!.

المميز في غرفته أنها تبعد نصف ساعه مشي عن الحديقه فلا يحتاج لصرف مرتبه إلا علي رغيف الخبز وقطعة الجبن مساءاً..

يبدأ مهامه ما إن يدخل الحديقه ، يسخر منه البعض لأنه يأتي بحِلة العمل ، هذا لأن أغلب العاملين هنا يأتون في أبهي الصور ثم يبدلون ثيابهم بتلك الأخري ولكن هو يظن أن حلة العمل جميله ، اجمل ما يمتلك ..

عليه الآن أن يُشاهد كل ما حُرم منه بصمت شديد ، الأطفال وهم يصرخون ضحكاً مع عائلتهم هو أيضاً في الطفوله كان يصرخ مع عائلته ولكن ليس ضحكاً بل جوعاً ..

انه يبتسم الآن ، يبتسم بهدوء شديد لتلك الطفله التي تتقدم نحوه ، لقد قامت بإعطائه قطعة من الشيكولاته غالباً كانت تظن أنه ينظر إلي ما في يدها …

شكرها ورحل صامتاً.

الجميع هنا يتجنبه، يظنون أنه عجيب الاطوار، أو أنه يخفي سِرعظيم، ناهيك عن منظره المقزز برغم وسامته، لهذا كان واجباً علي الجميع أن يبتعد عنه

لعل الجميل في تلك الحياه المزعجه هي تلك الحديقه التي يدخلها بشكل مجاني حتي لو كان يفني فيها صحته ويبتذه صاحبها في العمل فيها بهذا الأجر البخس، ولكن علي الأقل هي ليست عفِنه كغرفته، ولا تدع له دقيقه ليفكر في حاله أبداً ..

تذكر القاعدة الأولي لتعيش هي أن تهرب! حتي منك!

لقد تجاوز حسن منتصف العشرين في يوليو الماضي ولعل تلك كانت مآساته بحق ..

أن تبلغ منتصف العشرين من العمر دون أن تكون راضياً عما حدث في الماضي ولا تعرف إلي أين ستأخذك الحياه؟!، وهل ستقضي باقي حياتك وأنت تربط عِقدك النفسيه في عنق كل من تراه؟! أم أنك ستمضي ..

هل ستحصل يوماً علي حياة وأطفال وبيت صغير دافيء كقلبك ام سيظل حسن طوال حياته ينتقل بين غرفته العفنه إلي الحديقة التي يزورها كِبار فئات المجتمع للرافهيه!

كان حسن يفكر هل سيظل علي ذلك الحال دوماً؟! بضع جنيهات يمتلكهم؟! ،الخوف الأول والأخير هو من الغد، الغد وفقط!….

بقلم سارة خالد يحيى

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
6-10 March
تعليقات
جاري التحميل...