طريقٌ نحو تعلّم صنعة الموت

0 100

أنتَ نصفُ إنسانٍ ميت، تعيشُ في ثنايا سَكرةِ الموت في كلِّ لحظة، ولو كان العالَمُ حلوًا لابتعدتَ عن طريقِ الرّوايات ولما كنتَ هنا الآن تقرأُ فنَّ التّسخيف هذا. خيطٌ واه جدًا يفصل بين الموت الحقيقي والموت الدائم…من مصلحتكَ ألّا تقطعَ هذا الخيط ولا تطلع على هذا المقال وإلّا فسدت سعادتك المصطنعة.

الموت يا عزيزي لعبة، كذبةٌ مبتذلة رغم واقعيتها؛ تموتُ كلّ يوم ولا يشعر بكَ أحدهم، تدخل قبرك، تدفن نفسك بيدٍ ملوثة وغطاءٍ مهترئ، الظلام يحيط روحك لا عينيك، تفكّر في النّهاية والخلاص ولا تجد حلًا، تغفو بدموعٍ متحجرة أو متراكمة على وجنتيك ووسادتك، وتستيقظ بملامحٍ كاذبة وتجاعيدٍ مرهقة كي تكمل الرّحلة بشكلٍ روتيني وممل، خالٍ من الفرحِ والسّعادة. لكن لِمَ لا تعترف بوفاتك وتعيش ومَن مثلك في قبورِ الحياة الواضحة دون الوجوه المموهة بالتمثيل؟

ولِمَ لا نقيم أيّ مراسم حزن لأولئك المتوفون في حياتهم؟ في الحقيقة، نحن مجرّد جثث هامدة تسيرُ في جحيم الدّنيا وتدوس على جمراتها المسننة، كلّنا قُتِلَ وقَتَل، كلّنا مذبوحٌ وذابح ولا مكان هنا لِلبحثِ عن المجرمِ الحقيقي، لكنّنا وبكلِّ بساطة نتعايش مع إنسانيتنا المستذئبة…الذئاب حُرّم لحمها على بعضها وما أكلوا أحدًا عن رِيبة، إذًا ظلمنا الذئاب عوضًا عن ظلمِ أنفسنا، نَصِفُ بعضنا بالثّعالب أحيانًا وغالبًا نقولُ: أنّنا نعيش بغابة وبداخلِ كلّ منّا -آسفةً- وحش خسيس، عيونه جائرة، قلبه قاسٍ، روحه خوّانة، كلامه طاعن. وفي وجوهنا ملائكة بالطيبة وصفت أنفسها، ألسنتها عذبة حنونة، لكنّنا في عالمِ الوجوه وهذا سرُّ الصنعة!

بعضنا جاهل والآخر يدّعي المعرفة وقلّة عددهم لا يكاد يملأ أصابع يدي الواحدة عالِم، حكيم، مفكّر، بينه وبين الخبثِ خطوة لا يتخطّاها وإن تخطّتها ابتعد اثنتين…نحن القساة، عديمي الإحساس، قضاة ظلّام في حقوقِ بعضنا، نقيمُ الحكم ظلمًا وعدوانًا.

نكون قابيل ساعةً وأخوةُ يُوسف في أخرى، غير مدركين حركة رمشنا التي تعلن الحدَّ على أعدائنا وأحبّائنا ربّما وتقطع رؤوسهم أحياءً! وما كان القتل يومًا برصاصٍ يا صديقي أو بشنقٍ وإعدام، إنّما كلامنا سيفًا يذبح، أفعالنا قنابلًا تفرّق، نظراتنا نارًا تحرق ومن يعلم قد تكون ابتسامتنا خنجرًا يطعن بلا حقٍّ ولا ذنب. آباؤنا قتلى، أصدقاؤنا سفّاحون، معارفنا جزّارون، وكلّنا في مسرحِ الجريمة متهم وقاتل دون معرفةٍ منّا حتّى!

#رنيم_ورد

إخلاء المسؤولية: جميع المقالات والتعليقات في هذه المنصة لا تعّبر بالضرورة عن رأي فريق الإدارة في كـن عـربـي إنما عن كاتبها
6-10 March
تعليقات
جاري التحميل...